مجلة نور

عالمك الافتراضي المفضل

يوم لا ينفع مال ولا بنون

العبور على الصراط وكيفيته
لا يعبُرُ الصراط إلا المؤمنون، على قدر أعمالهم؛ لحديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: ((فيمرُّ المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مسلَّم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في جهنم))؛ متفق عليه.
وفي صحيح مسلم: ((تجري بهم أعمالهم، ونبيُّكم قائمٌ على الصراط يقول: يا رب، سلِّمْ سلِّمْ، حتى تعجِز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السيرَ إلا زحفًا)).
وفي صحيح البخاري: ((حتى يمر آخرهم يُسحَب سَحبًا)).
وأول من يعبُرُ الصراط من الأنبياء محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ومن الأمم أمته؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((فأكون أنا وأمَّتي أولَ مَن يجيزها، ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسلُ، ودعاء الرسول يومئذٍ: اللهم سلِّمْ سلِّمْ))؛ رواه البخاري.
والصراط إنما يمرُّ ويسير عليه أهل الإسلام دون غيرهم، وأقصد بأهل الإسلام كلَّ مَن كان مسلمًا، سواءٌ من هذه الملَّة، أو من الأنبياء من قبل؛ فأهل الكفر لا يجوزون الصراط، ولا يأتون إليه، بل يُصارُ بهم إلى النار ابتداءً، كما في حديث أبي سعيدٍ وأبي موسى في الصحيحين: ((أنه ينادى في الناس يومَ القيامة فيقال: مَن كان يعبُدُ شيئًا فليتْبَعْه، فيتبع عبَّادُ الشمسِ الشمسَ، ويتبع عبَّادُ القمرِ القمرَ، ويتبع عبَّادُ الطواغيتِ الطواغيتَ، ويصيرون إلى النار يُلقَون فيها يكبكبون؛ كما قال الله – عز وجل -: ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴾ [الشعراء: 94، 95]، فيُلقَوْن فيها إلقاءً.
والناس في عبورِهم على الصراط يتفاوتون، كما وضَّحت السنَّة: (فمنهم كالبرق، ومنهم كالرِّيح الشَّديدة، ومنهم كأجاويدِ الخيل، ومنهم كركاب الإبل، ومنهم مَن يمشي على رِجليه، ومنهم من يزحَفُ زحفًا، ومنهم من تخطَفُه الكلاليب)، أسرعهم من يمر كلمح البصر، ثم بعد ذلك كالبرق، ثم كالريح الشديدة، ثم كأجاويد الخيل، ثم كأجاويد الإبل، على حسب الترتيب السابق، وهذا التفاوت في السير على الصراط ناشئٌ عن التفاوتِ في العملِ؛ قال الله – عز وجل -: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴾ [الواقعة: 10].

وعن عائشةَ رضي الله عنها: قالت: سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ﴾ [إبراهيم: 48]، قلت: أين يكون الناسُ يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: ((على الصراط))؛ أخرجه مسلم والترمذي.

وعن سعيد بن المسيّب، وعطاء بن يزيد الليثي: أن أبا هريرة أخبرهما: أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ قال: ((هل تُمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟))، قالوا: لا، يا رسول الله، قال: ((فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟))، قالوا: لا، قال: ((فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناسُ يوم القيامة، فيقول: مَن كان يعبد شيئًا فليتْبَع، فمنهم مَن يتبع الشمسَ، ومنهم من يتبع القمرَ، ومنهم من يتبع الطواغيتَ، وتبقى هذه الأمَّةُ فيها منافقوها، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتيَنا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عرَفْناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربُّنا؟ فيَدْعوهم، ويضرب الصراط بين ظَهْرانَيْ جهنَّمَ، فأكون أولَ من يجوز من الرسل بأمَّته، ولا يتكلم يومئذٍ أحدٌ إلا الرسلُ، وكلام الرسل يومئذٍ: اللهم سلِّمْ سلِّمْ، وفي جهنَّمَ كلاليبُ مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟)) قالوا: نعم، قال: ((فإنها مِثلُ شوك السَّعدان، غير أنه لا يعلم قدرَ عِظَمِها إلا اللهُ تعالى، تخطَفُ الناسَ بأعمالهم، فمنهم من يوبَقُ بعمله، ومنهم يُخردلُ، ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمةَ مَن أراد من أهل النار، وفي رواية: فمنهم المؤمن بقِي بعمَله، ومنهم المجازى حتى يُنجَّى، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يُخرِج برحمته مَن أراد من أهل النار، أمَر الملائكة أن يُخرِجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرَّم الله على النار أن تأكل أثَرَ السجود، فيخرجون من النار، فكل ابنِ آدم تأكله النار، إلا أثرَ السجود، فيخرجون من النار قد امتُحِشوا، فيُصَب عليهم ماءُ الحياة، فينبتون كما تنبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيل السيل، ثم يفرُغُ الله من القِصاص بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنةَ، مقبل بوجهه قِبَل النار، فيقول: يا رب، اصرِفْ وجهي عن النار، قد قشَبني ريحُها، وأحرقني ذَكاؤُها، فيدعو الله بما شاء أن يدعوَه، فيقول: هل عسيتَ إن فعلتُ ذلك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك، فيعطي اللهَ ما شاء الله من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل بوجهه على الجنة، ورأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب، قدِّمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيتَ العهود والمواثيق ألا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب، لا أكون أشقى خَلْقك، فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غير هذا، فيعطي ربَّه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدِّمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابَها، رأى زهرتَها، وما فيها من النَّضرة والسرور.

وفي رواية: فإذا قام إلى باب الجنة انفهَقَتْ له الجنة، فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب، أدخِلْني الجنة، فيقول الله: ويحك يا بن آدم! ما أغدَرَك! أليس قد أعطيتَ العهود ألا تسأل غيرَ الذي قد أعطيت؟ فيقول: يا رب، لا تجعَلْني أشقى خَلْقك، فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمنَّ، فيتمنَّى، حتى إذا انقطع أمنيته، قال الله تعالى: تمنَّ مِن كذا وكذا، يذكِّرُه ربه، حتى إذا انتهت به الأمانيُّ، قال الله: لك ذلك ومثله معه)).

قال أبو سعيد الخدريُّ لأبي هريرة رضي الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله: لك ذلك وعشَرة أمثاله))، قال أبو هريرةَ: لم أحفَظْ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله: ((لك ذلك ومثله معه))، قال أبو سعيد: إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لك ذلك وعشَرة أمثاله))، قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخِرُ أهل النار دخولاً الجنَّةَ.
أخرجه البخاري، وأخرجه مسلم عن عطاء بن يزيد.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: ((أنا فاعلٌ إن شاء الله))، قلت: فأين أطلبك؟ قال: ((أول ما تطلبني على الصراط))، قلت: فإن لم ألقَك على الصراط؟ قال: ((فاطلُبْني عند الميزان))، قلت: فإن لم ألقَك عند الميزان؟ قال: ((فاطلُبْني عند الحوض؛ فإني لا أُخطئُ هذه الثلاثَ المواطنَ))؛ أخرجه الترمذي.

عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [فاطر: 32]؛ فأما الذين سبَقوا، فأولئك الذين يدخلون الجنةَ بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا، فأولئك يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم، فأولئك الذين يُحبَسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم برحمته، فهم الذين يقولون: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [فاطر: 34، 35]))؛ رواه أحمد.